أبو الليث السمرقندي
486
تفسير السمرقندي ( تفسير بحر العلوم )
ثم قال عز وجل : فَذَرْنِي وَمَنْ يُكَذِّبُ بِهذَا الْحَدِيثِ يعني : دع هؤلاء الذين لا يؤمنون بالقرآن . ويقال : فوض أمرهم إليّ ، فإني قادر على أخذهم متى شئت . سَنَسْتَدْرِجُهُمْ يعني : سنأخذهم وسنأتيهم بالعذاب . مِنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ يعني : نذيقهم من العذاب درجة ، من حيث لا يعلمون أن العذاب نازل بهم . وأصله في اللغة من الارتقاء في الدرجة . وقال السدي : كلما جددوا معصية ، جدد لهم نعمة وأنساهم شكرها ، فذلك الاستدراج . وَأُمْلِي لَهُمْ يعني : أمهل لهم وأؤجل لهم إلى وقت . إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ يعني : عقوبتي شديدة إذا نزلت بهم لا يقدرون على دفعها . ثم قال : أَمْ تَسْئَلُهُمْ أَجْراً ؟ يعني : أتسألهم على الإيمان جملا ؟ فَهُمْ مِنْ مَغْرَمٍ مُثْقَلُونَ يعني : لأجل الغرم يمتنعون . وهذا يرجع إلى قوله : أَمْ لَكُمْ كِتابٌ فِيهِ تَدْرُسُونَ . ثم قال : أَمْ عِنْدَهُمُ الْغَيْبُ ؟ يعني : اللوح المحفوظ . فَهُمْ يَكْتُبُونَ يعني : ما يقولون . ثم قال عز وجل : فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ يعني : على ما أمر ربك ولقضاء ربك . وَلا تَكُنْ كَصاحِبِ الْحُوتِ يعني : لا تكن في قلة الصبر والضجر مثل يونس - عليه السلام - إِذْ نادى وَهُوَ مَكْظُومٌ يعني : مكروبا في بطن الحوت ، وقال الزجاج : مَكْظُومٌ أي مملوء غما . لَوْ لا أَنْ تَدارَكَهُ نِعْمَةٌ مِنْ رَبِّهِ يعني : لولا النعمة والرحمة التي أدركته من اللّه تعالى ، لَنُبِذَ بِالْعَراءِ يعني : لطرح بالصحراء . والصحراء هي الأرض التي لا يكون فيها نخل ولا شجر ، يوارى فيها وَهُوَ مَذْمُومٌ يعني : يذم ويلام . ولكن كان رحمة من اللّه تعالى ، حيث نبذ بالعراء وهو سقيم وليس بمذموم . قوله تعالى : فَاجْتَباهُ رَبُّهُ يعني : اختاره ربه للنبوة ، فَجَعَلَهُ مِنَ الصَّالِحِينَ يعني : من المرسلين ، كقوله : وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ . ثم قال عز وجل : وَإِنْ يَكادُ الَّذِينَ كَفَرُوا يعني : أراد الذين كفروا . لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصارِهِمْ يعني : ليرهقونك بأبصارهم إن قدروا على ذلك . ويقال : معناه إذا قرأت القرآن ، فينظرون إليك نظرا شديدا بالعداوة ، يكاد يزلقك أي : بالعداوة يسقطك من شدة النظر . وذكر عن الفراء أنه قال : لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصارِهِمْ يعني : يعتانونك يعني : يصيبونك بعيونهم . وذلك أن رجلا من العرب ، كان إذا أراد أن يعتان شيئا ، يقبل على طريق الإبل إذا صدرت عن الماء ، فيصيب منها ما أراد بعينه ، فأرادوا أن يصيبوا النبي صلّى اللّه عليه وسلم .